8 مارس: حقوق النساء بين التزامات مؤجلة وسياسات عمومية متعثرة

يخلد تحالف ربيع الكرامة الثامن من مارس لسنة 2026 في ظل ظرفية دولية ووطنية موسومة بتراجعات حقوقية غير مسبوقة، حيث باتت المكتسبات النسائية التي تراكمت لعقود عرضة للاهتزاز بفعل سياسات دولية تنتهك حقوق الشعوب وتستهين بكرامة الإنسان وخاصة النساءوالفتيات. إن المشهد العالمي اليوم يغرق في أزمات إنسانية حادة وكوارث طبيعية ناتجة عن تغيرات مناخية لا ترحم، وجرائم غير مسبوقة يتداخل فيها اختلال النظام القيمي العالمي ولهيب النزاعات المسلحة وحروب الإبادة التي تستهدف الوجود البشري في أسمى معانيه، ولعل ما تداولته وكالات الانباء عن جرائم جزيرة إيبيستين وما يعيشه الشعب الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة، يمثل وصمة عار في جبين الإنسانية؛ إذ تشير تقارير صندوق  الأمم المتحدة للمرأة لعام 2025 أن أعداد الضحايا المدنيين من النساء والأطفال تضاعفت 4 مرات مقارنةبفترة السنتين السابقتين، كما ان تقريرا سابقا لنفس الهيئة كان قد دق ناقوس الخطر  وأشار إلى واقع جنائزي تستشهد فيه 63 امرأة يوميا، من بينهن 37 أما، بمعدل أمين كل ساعة، ناهيك عن كونهن يشكلن الأغلبية الساحقة من المفقودين والجرحى والنازحين الذين يفتقرون لأدنى شروط الأمان. إن هذا العنف الممنهج يمتد ليشمل الاعتقالات التعسفية في سجون الاحتلال الصهيوني بظروف لاإنسانية، وتفاقم المجاعة التي تعيد صياغة معاناة النساء كأرامل ومعيلات وحيدات في ظل غياب الغذاء والدواء. ولا تنفصل معاناة المرأة السودانية عن هذا المشهدالقاتم، حيث يواجهن في ظل الحرب السعراء صنوفا من الاغتصاب والاسترقاق الجنسي والإخفاء القسري، وسط انهيار كامل للمرافق الطبية، مما يؤكد أن المنظومة الدولية فشلت فشلا ذريعا في حماية النساء من توظيف أجسادهن كساحات لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية.

وعلى الصعيد الوطني، لم تكن السنة المنصرمة (2025) وما تلاها من مستجدات في مطلع 2026 بأفضل حال، حيث رصد التحالف استمرارا في التمييز القائم على النوع الاجتماعي، مما أدى بالضرورة إلى اتساع دوائر الفقر والتهميش والأمية بين النساء المغربيات. إنواقع الحال يكشف عن تناقض صارخ بين الخطاب الرسمي الذي يبشر بالإصلاح وبين الممارسة التشريعية التي ظلت مترددة وجزئية؛ فرغم “الأفق” الذي رسمه تعديل مدونة الأسرة والقانون الجنائي، إلا أن تجميد مسار النص الاسري والتراجع عن اخراج القانون الجنائي للنقاش العمومي وإصدار قانون جنائي مسطري بعيد كل البعد عن انتظارات النساء تجاه التزام دولتهن ببذل العناية الواجبة تجاههن ارخوا بظلالهمعلى استدامة التمييز بين الجنسين. هذا بالإضافة الى كون المسودات التشريعية التي طرحت خلال السنة الماضية او تلك التي تمت المصادقة عليها لم تكن سوى خطوات مبتورة خيبت آمال الحركة النسائية، فالقوانين الانتخابية المصادق عليها لم تف بوعود الوثيقة الدستورية بالسعي في اتجاه المناصفة وسقفت سعيها في حدود الثلث، كما أن القانون المعدل للمحكمة الدستورية ظل يحافظ على نفس الفلسفة التمييزية لا من حيث الشكل ولا من حيث الموضوع ، ومن جهة أخرى ظل القانون 103.13 قاصرا عن توفير الحماية الحقيقية والزجر اللازم دون تعديل في الأفق، وبقيت ظاهرة العنف الإلكتروني  تتنامى في ظل فراغ تشريعي يترك الطفلات والنساء عرضة للانتهاك الرقمي دون رادع، إضافة إلى العنف السياسي الذي يجد مظلته في نفس الفراغ.

من جهة اخرى يمكن الجزم بكون السياسات العمومية للدولة في تدبير الأزمات خلال سنة 2025 ومطلع سنة 2026، سواء الاقتصادية منها أو الناتجة عن الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات، كشفت عن غياب تام لبعد النوع الاجتماعي؛ إذ وجدت المطلقات والأرامل والأمهات العازبات أنفسهن خارج مظلة الحماية الاجتماعية ومنظومة الدعم السكني والمالي، مما يكرس الهشاشة ويحرمهن من حقهن في المواطنة الكاملة والتعويض العادل عن الكوارث.

إن تحالف ربيع الكرامة، وهو يضع الدولة أمام مسؤوليتها التاريخية والسياسية، يسائل بمرارة إقصاء النساء من الدورة الاقتصادية وسوق الشغل، حيث تكشف أرقام 2026 الصادمة أ ن 4 نساء من أصل 5 لا يزلن خارج النشاط الاقتصادي ) بنسبة مشاركة منخفضة 12%(، يمارسن أعمالا منزلية مضنية وغير مؤدى عنها، بينما تضطر المعيلات منهن إلى  مواجهة أعباء الحياة دون دخل قار أو تغطيةصحية. إن العنف الاقتصادي الممارس في الحقول الزراعية والمصانع، والذي يودي بحياة العاملات في “ناقلات الموت” ويحرمهن من شروط العيش الكريم.

بناء على هذا الوضع المتأزم، يطالب تحالف ربيع الكرامة ب:

–          ملاءمة شاملة للقوانين الوطنية مع الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية “سيداو”، مع التشديد على تغيير جذري للقانون الجنائي يقر بالحق في الإيقاف الطبي الآمن للحمل ويضمن كرامة النساء في المسطرة الجنائية.

–          الإسراع بإخراج مدونة الاسرة الى الوجود مع اعتبار التزامات الدولة المغربية تجاه مواطناتها أولوية.

–          الإسراع بإخراج هيئة المناصفة ومكافحة كافة أشكال التمييز وتعزيز دورها الرقابي للتشريعات والسياسات.

–          استدراك ما تم اغفاله في القوانين الانتخابية التي تمت المصادقة عليها مؤخرا في التشريعات المستقبلية.

–          سن سياسات بديلة تضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وترفع من وتيرة البرامج والسياسات الرامية الى اجتثاث التمييز من المجتمعي المغربي.

ونعلن تضامننا المطلق مع ضحايا التمييز في مناطق الكوارث ومع صمود النساء في فلسطين ولبنان والسودان. وسيظل نضال نساء المغرب اليوم جزء لا يتجزأ من نضال عالمي ضد الردة الحقوقية.

تحالف ربيع الكرامة